الإدمان وطريق العلاج
من كيمياء المخ إلى التعافي النفسي والاجتماعي
يُعد الإدمان واحدًا من أخطر التحديات الصحية والنفسية التي تواجه الأفراد والمجتمعات، فهو ليس مجرد ضعف إرادة أو انحراف سلوكي، بل مرض معقّد تتداخل فيه العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية. ومع تطور العلم، أصبح فهم آليات الإدمان وطرق علاجه أكثر دقة وفاعلية، ما يفتح أبواب الأمل أمام المتعافين وأسرهم.
أولًا: تأثير الدوبامين ودوره في الإدمان
يلعب الدوبامين دورًا محوريًا في دائرة المكافأة بالمخ، وهو الناقل العصبي المسؤول عن الشعور بالمتعة والتحفيز. عند تعاطي المواد المخدرة أو ممارسة السلوكيات الإدمانية، يحدث إفراز مفرط للدوبامين، فيشعر الشخص بلذة مؤقتة وغير طبيعية.
ومع تكرار التعاطي، يعتاد المخ على هذه الجرعات المرتفعة، فتقل استجابته الطبيعية، ويصبح الشخص بحاجة إلى كميات أكبر لتحقيق نفس الشعور، ما يؤدي إلى الاعتماد النفسي والجسدي والدخول في دائرة الإدمان.
ثانيًا: مراحل العلاج من الإدمان
يمر العلاج بعدة مراحل متكاملة، لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى:
مرحلة الاعتراف بالمشكلة
وهي الخطوة الأصعب، حيث يدرك المريض أنه يعاني من إدمان يحتاج إلى تدخل علاجي.
مرحلة سحب السموم (الديتوكس)
تتم تحت إشراف طبي متخصص لتقليل الأعراض الانسحابية وضمان السلامة الجسدية.
مرحلة التأهيل النفسي والسلوكي
وتركز على فهم أسباب الإدمان، وتعديل الأفكار والسلوكيات المرتبطة به.
مرحلة المتابعة ومنع الانتكاس
وهي مرحلة طويلة المدى تهدف إلى تثبيت التعافي وبناء نمط حياة صحي ومستقر.
ثالثًا: أهمية البرامج العلاجية المتخصصة
تعتمد مراكز العلاج الحديثة على برامج علمية ثبتت فعاليتها، من أهمها:
برامج الزمالة (NA)
وهي برامج دعم جماعي تساعد المتعافي على مشاركة تجربته، والشعور بأنه ليس وحده، وبناء شبكة دعم قوية قائمة على الخبرة المتبادلة.
العلاج المعرفي السلوكي (CBT)
يهدف إلى تعديل الأفكار المشوهة والسلوكيات السلبية، وتعليم المريض مهارات جديدة للتعامل مع الضغوط والمحفزات بدون اللجوء للإدمان.
السيكودراما (Psychodrama)
أسلوب علاجي يعتمد على التمثيل والتعبير الحر عن المشاعر والصراعات الداخلية، ما يساعد على التفريغ الانفعالي وفهم أعمق للذات.
رابعًا: العلاقة بين الإدمان والاضطرابات النفسية
تشير الدراسات إلى وجود علاقة قوية ومتبادلة بين الإدمان والاضطرابات النفسية والشخصية، مثل الاكتئاب، القلق، اضطرابات الشخصية، واضطراب ما بعد الصدمة.
ففي بعض الحالات، يلجأ الشخص إلى الإدمان كوسيلة هروب من الألم النفسي، وفي حالات أخرى يؤدي الإدمان نفسه إلى تفاقم الاضطرابات النفسية، مما يستدعي علاجًا مزدوجًا يعالج الإدمان والاضطراب النفسي معًا لتحقيق تعافٍ حقيقي ومستدام.
في الختام
يبقى الإدمان مرضًا قابلًا للعلاج، وليس نهاية الطريق. ومع الفهم الصحيح لكيمياء المخ، والالتزام بالبرامج العلاجية المتكاملة، والدعم النفسي والاجتماعي المستمر، يمكن للمتعافي أن يستعيد حياته، ويبدأ رحلة جديدة عنوانها الوعي، والشفاء، والأمل.
بقلم د/محمد طاحون
استشارى صحه نفسيه ومدير البرامج العلاجيه بمؤسسة بدايه


