الدكتوره جيهان عبيد سعد استشاري صحه نفسيه وإرشاد اسرى وزوجى وتربوى
تربية الأبناء في ظل الصراعات الأسرية… مسؤولية وعي قبل أن تكون دورًا تربويًا
في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الصراعات الأسرية واقعًا تعيشه كثير من البيوت، وتنعكس آثارها بشكل مباشر أو غير مباشر على الأبناء. فمهما اختلفت أشكال الخلافات بين الأزواج وتنوعت أسبابها، تبقى جذورها واحدة في معظم الأحيان، وهي غياب النضج الكافي والوعي الحقيقي بمعنى الأسرة ودورها، ومعنى الأبناء كأمانة ومسؤولية قبل أن يكونوا امتدادًا شخصيًا للآباء.
الأبناء لا يعيشون الخلافات كأحداث عابرة، بل يخزنونها في وجدانهم، وتتشكل شخصياتهم على وقع الكلمات القاسية، والصمت المشحون، والتوتر الدائم داخل المنزل. الطفل قد لا يفهم تفاصيل المشكلة، لكنه يشعر بانعدام الأمان، ويترجم ذلك في سلوكه أو تحصيله الدراسي أو حتى في علاقاته المستقبلية.
إن تربية الأبناء في ظل الصراعات الأسرية تتطلب وقفة صادقة مع النفس، وإعادة نظر شاملة في طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع الخلاف. نحن في حاجة حقيقية إلى إعادة برمجة فكرية داخلية كاملة، نراجع فيها مفاهيمنا عن الزواج، والحوار، والاختلاف، والمسؤولية المشتركة تجاه الأبناء. فاستمرار الصراع دون وعي لا يهدم العلاقة الزوجية فقط، بل يترك شروخًا عميقة في نفس الطفل قد تمتد لسنوات طويلة.
الذكاء العاطفي هنا ليس رفاهية، بل ضرورة. أن يمتلك الوالدان القدرة على فهم مشاعرهم وضبط انفعالاتهم، والتعبير عن غضبهم دون إيذاء، هو الخطوة الأولى نحو بيئة أسرية أكثر أمانًا. الذكاء العاطفي يعني أن نُدرك أن الأبناء ليسوا طرفًا في الخلاف، ولا يجب أن يكونوا ساحة لتفريغ الغضب أو وسيلة للضغط أو الانتقام.
كما أن تعزيز الوعي الداخلي لدى الآباء يساعدهم على الفصل بين الخلافات الزوجية والدور التربوي. فالطفل يحتاج إلى الشعور بالحب والاحتواء والاستقرار النفسي، حتى وإن كانت العلاقة بين الوالدين تمر بمرحلة صعبة. الجهد المبذول في تهدئة النفس، واختيار الكلمات، وضبط ردود الأفعال، ينعكس بشكل مباشر على نفسية الأبناء وسلامهم الداخلي.
إن بناء أسرة متوازنة لا يعني غياب الخلافات، بل يعني إدارتها بوعي ونضج. وعندما ننجح في تطوير وعينا الداخلي، ونمارس الذكاء العاطفي بصدق، فإننا نمنح أنفسنا وأبناءنا فرصة حقيقية للهدوء والسكينة والسعادة. فالأبناء لا يحتاجون إلى بيت خالٍ من المشكلات، بقدر حاجتهم إلى بيت مليء بالفهم، والاحترام، والأمان النفسي.
وفي النهاية، تبقى التربية الحقيقية هي تلك التي تبدأ من داخلنا أولًا، لأن الطفل يتعلم مما يراه ويشعر به أكثر مما يسمعه، والأسرة الواعية هي الأساس لمجتمع أكثر صحة واستقرارًا.

