صموئيل بشاي.. رحلة ثلاثين عاماً من الخبرة تصنع منهجية SDIMI وتعيد تعريف الأداء المؤسسي
لم تأتِ رحلة الخبير في تطوير الأداء المؤسسي صموئيل بشاي من فراغ، ولم تكن نتيجة صدفة عابرة أو تجربة قصيرة، بل هي حصيلة أكثر من ثلاثين عاماً من العمل المتواصل والدراسة العميقة والتجارب العملية مع مؤسسات وقيادات في مجالات متعددة. رحلة بدأت بسؤال بسيط، لكنها تحولت مع الوقت إلى مشروع فكري وعملي متكامل هدفه إعادة تعريف مفهوم الأداء المؤسسي وكيفية تحويل الرؤية إلى نتائج حقيقية ومستدامة.
في نهاية تسعينات القرن الماضي، لم يكن بشاي يفكر في ابتكار منهجية إدارية أو بناء نموذج جديد لإدارة المؤسسات، بل كان يسعى لفهم معادلة النجاح داخل المؤسسات. فقد لاحظ
خلال بداياته المهنية أن كثيراً من المؤسسات تبذل جهوداً كبيرة وتملك إمكانات ضخمة، لكنها لا تحقق النتائج التي تعكس حجم هذا الجهد. وفي المقابل، كانت هناك مؤسسات أخرى تحقق إنجازات لافتة رغم محدودية الموارد.
هذا التناقض دفعه للبحث بعمق في الأسباب الحقيقية وراء نجاح بعض المؤسسات وتعثر أخرى، وهو ما شكل الشرارة الأولى لمسيرة طويلة من التحليل والتجربة.
البداية من عالم الجودة
انطلقت المسيرة المهنية لصموئيل بشاي عام 1998 من بوابة إدارة الجودة وأنظمة الإدارة الحديثة، حيث عمل على دراسة وتطبيق معايير الجودة الدولية، وتمكن خلال تلك الفترة من الحصول على ثلاث شهادات دولية كمدقق جودة معتمد، الأمر الذي منحه فهماً تقنياً متقدماً لكيفية تصميم الأنظمة الإدارية وتقييم كفاءتها.
لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما قاد شركته Apollo Print Media للحصول على شهادة ISO 9001 في وقت كانت فيه هذه الشهادة لا تزال نادرة نسبياً داخل مصر.
وخلال هذه التجربة اكتشف بشاي حقيقة مهمة غيّرت مسار تفكيره بالكامل، وهي أن وجود أنظمة إدارية قوية لا يعني بالضرورة أن المؤسسة تحقق أداءً متميزاً. فقد تكون الأنظمة مكتملة من الناحية النظرية، لكن النتائج الفعلية لا تعكس ذلك.
ومن هنا بدأ التحول في رؤيته من التركيز على الجودة كنظام إداري فقط، إلى التفكير في الأداء المؤسسي كمنظومة متكاملة تربط بين الاستراتيجية والتنفيذ والنتائج.
اكتشاف المشكلة الحقيقية داخل المؤسسات
مع مرور السنوات وتوسّع نطاق عمله مع مؤسسات وقيادات مختلفة، بدأ صموئيل بشاي يلاحظ نمطاً متكرراً داخل العديد من المؤسسات. فالجميع يعمل بجد، والفرق تبذل جهوداً كبيرة، والموارد متوفرة في كثير من الأحيان، لكن النتائج لا تأتي دائماً بحجم هذا الجهد.
ومع تحليل هذه التجارب المتراكمة، أدرك أن المشكلة الحقيقية لا تكمن غالباً في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل في غياب الربط الواضح بين الاتجاه الاستراتيجي والأنظمة التشغيلية والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
فكثير من المؤسسات تمتلك خططاً واستراتيجيات جيدة، لكنها لا تتحول إلى تنفيذ حقيقي. كما أن بعضها يمتلك أنظمة إدارية متطورة، لكنها لا ترتبط بشكل مباشر بتحقيق النتائج.
هذه الملاحظات لم تكن مجرد استنتاجات نظرية، بل جاءت نتيجة سنوات طويلة من العمل الميداني والتعامل المباشر مع تحديات المؤسسات والقيادات.
ولادة منهجية SDIMI
بعد سنوات من الخبرة العملية والتجارب المتراكمة، بدأت رؤية متكاملة تتشكل في ذهن صموئيل بشاي حول كيفية بناء نظام متكامل لإدارة الأداء المؤسسي.
ومن هذه الرؤية ظهرت منهجية SDIMI، وهي منهجية تعتمد على فكرة أساسية مفادها أن المؤسسات التي تحقق أداءً متميزاً لا تعتمد على عامل واحد فقط، بل على منظومة متكاملة تبدأ بوضوح الاتجاه الاستراتيجي، ثم بناء الأنظمة الداعمة، وإدارة التنفيذ بكفاءة، وقياس النتائج بدقة، وأخيراً التعلم المستمر والابتكار.
هذه المنهجية لم تكن مجرد نموذج نظري أو دراسة أكاديمية، بل جاءت نتيجة تراكم خبرات عملية امتدت لسنوات طويلة من العمل مع المؤسسات وفهم التحديات الحقيقية التي تواجهها.
نشر ثقافة التميز المؤسسي
لم يقتصر دور صموئيل بشاي على تطوير الأفكار والنماذج، بل سعى إلى نشر ثقافة التميز المؤسسي في المنطقة وتعزيز الوعي بأهمية تطوير الأداء داخل المؤسسات.
ومن أبرز المبادرات التي أطلقها في هذا الإطار جائزة التميز الأفرو-عربية، وهي مبادرة تهدف إلى تشجيع المؤسسات على تبني أفضل الممارسات في مجالات الإدارة والأداء المؤسسي.
وقد شهدت الجائزة مشاركة مؤسسات من عدة دول، وتم تنظيم حفل تكريم الفائزين في دبي عام 2023، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام في المنطقة بقضايا التميز المؤسسي وتطوير الأداء الإداري.
القيادة… سر النجاح الحقيقي
خلال سنوات طويلة من العمل مع القيادات والمؤسسات، توصل صموئيل بشاي إلى قناعة راسخة بأن الأنظمة والاستراتيجيات وحدها لا تكفي لتحقيق النجاح.
ومن هنا طرح ما أصبح يعرف لاحقاً بـ نظرية القيادة 70‑90، والتي تقوم على فكرة أن ما بين 70% إلى 90% من نجاح المؤسسات يعتمد بشكل مباشر على جودة القيادة وقدرتها على توجيه الجهود وخلق وضوح في الاتجاه وتحفيز فرق العمل لتحقيق النتائج.
فالقائد الحقيقي، في نظره، ليس مجرد مدير يدير العمليات اليومية، بل هو من يمتلك القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس وتحويل الطموحات إلى إنجازات حقيقية.
منصة لنشر المعرفة وبناء القيادات
وفي إطار سعيه لنشر المعرفة وتوسيع دائرة الاستفادة من خبراته، أسس صموئيل بشاي منصة Creative Academy UK، التي تهدف إلى تقديم برامج تدريبية ومحتوى معرفي متخصص في مجالات القيادة وتطوير الأداء المؤسسي.
وتعمل هذه المنصة على دعم القيادات والمؤسسات من خلال تقديم أدوات عملية تساعدهم على بناء أنظمة أداء أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق نتائج مستدامة.
رحلة مستمرة نحو التميز
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً من العمل والخبرة في تطوير المؤسسات وبناء القيادات، ما زال صموئيل بشاي يؤمن بأن التميز المؤسسي ليس هدفاً يتم الوصول إليه مرة واحدة، بل هو رحلة مستمرة من التعلم والتطوير والابتكار.
رحلة بدأت بسؤال بسيط حول سر نجاح بعض المؤسسات وفشل أخرى، لكنها تحولت مع الوقت إلى رؤية متكاملة ومنهجية عملية تساعد


