كريم فريد سعيد حسين.. رحلة الإبداع من صعيد مصر إلى العالمية في كتابه (من النهر إلى البحر)
في عالم تتعدد فيه التجارب وتتشابك فيه الحكايات، يطل علينا الكاتب كريم فريد سعيد حسين، المعروف بلقبه الأدبي أبوكرمه المنوفي، بعمل أدبي مميز يحمل عنوان «من النهر إلى البحر»، وهو كتاب يمزج بين السيرة الذاتية والدراما الواقعية، في أسلوب سردي بسيط لكنه عميق، يُعيد إلى الأذهان جوهر الأدب الشعبي المصري الممزوج بصدق التجربة الإنسانية.
الكاتب كريم فريد سعيد حسين وُلد في إحدى قرى صعيد مصر التابعة لمركز إدفو بمحافظة أسوان، تلك البقعة التي تحمل في طياتها عبق التاريخ والموروث الشعبي الأصيل. ومن هناك بدأت رحلة الحياة الحقيقية؛ رحلة مليئة بالتحديات والمواقف التي صاغت شخصيته وصقلت رؤيته للحياة. لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالعقبات، لكنه استطاع تحويل كل تجربة إلى درس، وكل صدمة إلى حكاية تستحق أن تُروى.
من الجنوب إلى الشمال.. حكاية العبور الإنساني
يتناول الكتاب في فصوله الأولى تفاصيل الانتقال من الصعيد إلى وجه بحري، وما حملته تلك الخطوة من تغييرات جذرية في حياة الكاتب. فبين البيئة الريفية الهادئة في الجنوب، والمدن الساحلية الصاخبة في الشمال، وُلدت رؤية جديدة تُبرز كيف يمكن للإنسان أن يُعيد بناء ذاته في كل محطة من محطات العمر.
يحكي أبوكرمه المنوفي في أسلوب واقعي مفعم بالمشاعر عن تجربته في العمل بالمدن السياحية الساحلية، حيث احتك بثقافات مختلفة، وتعرّف على أشخاص تركوا بصماتهم في مسيرته، وكانوا السبب في نضوج فكره وازدياد شغفه بالكتابة والتوثيق الأدبي.
أسلوب الكتابة.. واقعية تمتزج بالدراما
في «من النهر إلى البحر»، لا يكتفي الكاتب بسرد الأحداث كما جرت، بل يغوص في عمق المشاعر الإنسانية التي رافقتها. فكل موقف يرويه يحمل خلفه درسًا حياتيًا، وكل شخصية تمر في السرد تُجسّد نموذجًا من المجتمع المصري بتنوعه وثرائه.
اللغة التي يستخدمها كريم فريد لغة قريبة من القلب، تجمع بين العامية والفصحى في توازن دقيق، يعكس خلفيته الشعبية وثقافته الواسعة. لا تجد في كتابه تعقيدًا لغويًا أو فلسفة مفرطة، بل تجد صدقًا نابعًا من تجربة عاشها بنفسه، وهذا ما يجعل القارئ يشعر أنه يعيش معه لحظة بلحظة.
بوادر الجزء الثاني.. من المحلية إلى العالمية
يُلمّح الكاتب في نهاية الكتاب إلى أن ما رواه ليس سوى البداية، وأن الجزء الثاني سيكون أكثر إثارة واتساعًا في الأحداث، إذ يتناول تعامله مع شخصيات ذات صلة بأهم الأحداث العالمية، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في مسيرته الأدبية، تتجاوز حدود التجربة الشخصية لتلامس الواقع الإقليمي والعالمي.
بهذا، لا يُقدّم أبوكرمه المنوفي مجرد سيرة ذاتية، بل يرسم خريطة فكرية لمسار إنساني يُلهم كل من يسعى لتغيير مصيره، ويؤكد أن النجاح لا يُولد من الصدفة، بل من الإصرار والمثابرة والتجارب التي تصقل الروح والعقل معًا.
رسالة الكاتب إلى القارئ
يُوجّه كريم فريد سعيد حسين من خلال كتابه رسالة واضحة: أن الإنسان قادر على أن يبدأ من أي نقطة في الحياة، وأن كل تجربة مهما كانت مؤلمة تحمل في طياتها بذور الأمل والنهضة. فـ«من النهر إلى البحر» ليس مجرد عنوان رمزي للمكان، بل هو رحلة من ضفاف البساطة إلى آفاق الحلم، ومن عمق الجذور إلى اتساع الأفق.
في النهاية، يُعتبر هذا العمل الأدبي خطوة واعدة في مسيرة كاتب صاعد يمتلك حسًا واقعيًا وموهبة صادقة، استطاع أن يوثق رحلته بلغة القلب والعقل معًا، لتبقى قصته شاهدًا على أن أبناء الصعيد قادرون دائمًا على أن يعبُروا من ضفاف النيل إلى بحور الإبداع.


