القس باخوم مكرم حنا… مسيرة عطاء روحي وإنساني من الطفولة إلى الكهنوت
وُلد القس باخوم مكرم حنا، وبالميلاد إبرام مكرم حنا سعد، في الثاني والعشرين من أغسطس عام 1977، بمدينة الحوامدية بمحافظة الجيزة، داخل منزل جده لأمه، بينما كان منزل والده يقع في حدائق حلوان، حيث تشكّلت ملامح طفولته الأولى بين أسرة متماسكة وقيم روحية راسخة.
التحق بمدرسة العائلة المقدسة بحلوان، وكان منذ نعومة أظفاره مثالًا للهدوء والالتزام والتفوق الدراسي، الأمر الذي عكس تربية متزنة وشخصية تميل إلى التأمل والانضباط. وفي عام 1984، رُزقت الأسرة بالأخ الأصغر مينا، الذي جاء – بحسب إيمان العائلة – بمعجزة من شفاعة الشهيد مارمينا والقديس البابا كيرلس السادس، لتزداد الروابط الروحية عمقًا داخل الأسرة.
بدأت ملامح الدعوة الكنسية تظهر مبكرًا، إذ بدأ خدمته كشماس في كنيسة مارجرجس بحدائق حلوان عام 1986، ولم يكتفِ بأداء الدور الطقسي فقط، بل واظب على التعلم والخدمة مع من سبقوه بسنوات طويلة، في شغف واضح بالمعرفة الكنسية والالتزام الروحي.
ومع تقدمه في العمر، شارك في الاجتماع العام ثم مدارس الأحد وهو لا يزال صغيرًا، لينمو الطفل مراهقًا ثم شابًا داخل أحضان الكنيسة، متدرجًا في الخدمة، ثابتًا في علاقته بالرب يسوع، ومتوازنًا بين حياته الدراسية وخدمته الروحية.
بعد إتمامه الثانوية العامة، وبعناية الله، التحق بكلية الصيدلة – جامعة حلوان (ثاني دفعة بعد تأسيس الكلية)، وفي تلك الفترة استمر في النمو الروحي والخدمة الكنسية المتنوعة داخل الكنيسة، وكذلك على مستوى إيبارشية حلوان والمعصرة، خلال حبرية مثلث الرحمات الأنبا بيسنتي.
وخلال هذه المرحلة، برع في اللغة القبطية، وخدم في معهد الدراسات – قسم اللغة القبطية، كما خدم في أسقفية الشباب ومهرجانات الإيبارشية، وكان من المساهمين في تأسيس مجموعة محبي اللغة القبطية بمصر القديمة، في خطوة هدفت إلى إحياء التراث الكنسي الأصيل وربطه بالأجيال الجديدة.
بعد حصوله على بكالوريوس الصيدلة، تلقى تدريبه المهني في مصنع آمون وعدد من الصيدليات العامة، ثم استلم تكليفه لمدة عام في التأمين الصحي بحلوان. وبعدها افتتح أول صيدلية له بالشراكة مع أحد زملائه في العزبة البحرية بحلوان، ثم صيدلية خاصة به في حدائق حلوان، أعقبها صيدلية ثالثة بتقسيم فريد زكي بحدائق حلوان، داخل عقار قام والده ببنائه وأهداه فيه صيدلية وشقة، ليبدأ مرحلة الاستقرار والاستعداد للزواج.
كما أنه التحق بالكلية الاكليريكية بالعباسية القسم المسائي فى ٢٠٠٤ وفي عام 2006، تزوج من الدكتورة نانسي سمير عدلي، لتبدأ رحلة أسرية قائمة على الشراكة والدعم المتبادل.
وفي عام 2008، شاءت الإرادة الإلهية أن يُرسم كاهنًا لله العلي برتبة قس، بطلب من نيافة الأنبا بيسنتي، وبيد قداسة البابا شنودة الثالث، في 11 مارس 2008، ثم قضى خلوته الأربعينية بدير الشهيد مارمينا العجائبي بصحراء مريوط.
بدأ خدمته الكهنوتية في كنيسة العذراء مريم بوادي حوف، مع القمص أبرام ميخائيل – وكيل المطرانية لاحقًا – واستمر في الخدمة هناك، إلى جانب خدمته في أسقفية الخدمات ضمن مشروعات اليونيسيف، في مزج واضح بين الخدمة الروحية والمجتمعية.
كما واصل دراسته المتخصصة، فالتحق بـ معهد الليتورجيا بوسط القاهرة، ودرس التنمية البشرية بأسقفية الشباب ووسط القاهرة، والألحان بمركز إسمو أفنوتي، إضافة إلى معهد العقيدة بإيبارشية المعادي، في مسيرة تعليمية عكست وعيًا بأهمية إعداد الخادم إعدادًا شاملًا.
ومع صدور التصريح الجمهوري لبناء كنيسة مارمينا والبابا كيرلس والشهداء بحدائق حلوان، تم تكليفه ببدء الخدمة واستكمال مباني الكنيسة الجديدة، وبدأت الخدمة الفعلية بها منذ عام 2019، حيث كانت يدٌ تبني ويدٌ تخدم النفوس، فانطلقت الاجتماعات النوعية لكل فئات الشعب، ومدارس الأحد لكل المراحل العمرية.
وبعد تجليس الأنبا ميخائيل أسقفًا على الإيبارشية، تم تكليف القس باخوم مكرم حنا ضمن لجنة أمانة إعداد الخدام بالإيبارشية، تأكيدًا لدوره المؤثر في إعداد أجيال جديدة من الخدام.
وفي إطار اهتمامه بالبعد الإنساني والنفسي، حصل على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة ستانفورد البريطانية في الصحة النفسية والإرشاد الأسري، ليجمع في خدمته بين العمق الروحي والعلم الأكاديمي، في رؤية متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان روحًا ونفسًا.
هكذا تمتد مسيرة القس باخوم مكرم حنا، من طفل نشأ في حضن الكنيسة، إلى كاهنٍ يحمل همّ البناء والخدمة والتعليم، واضعًا نصب عينيه رسالة واحدة: خدمة الإنسان ومجد الله.



