حين تتكلم الجراح التي لا تُرى: قراءة نفسية في الحرب السودانية
ليست الحرب في السودان مجرد اشتباكات تُرصد في نشرات الأخبار، ولا أرقام تُحصى في تقارير عاجلة؛ إنها تجربة إنسانية قاسية تُعاد كتابتها كل يوم داخل نفوس الناس، حيث تتحول الحياة إلى حالة انتظار ثقيل، ويصبح الخوف رفيقًا دائمًا لا يغادر. في عمق هذه التجربة، لا يكون الدمار الحقيقي فيما تهدمه القذائف، بل فيما تتركه من تصدعات صامتة داخل الإنسان، تصدعات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تعيد تشكيل الوعي، والعلاقات، وحتى معنى الأمان ذاته.
الحرب، في جوهرها النفسي، لا تبدأ حين يُطلق الرصاص، بل حين يفقد الإنسان إحساسه بالسيطرة على يومه، على تفاصيله الصغيرة، على قدرته في التنبؤ بما سيحدث بعد ساعة. هذا الفقدان التدريجي للإحساس بالأمان يُدخل الفرد في حالة استنفار دائم، حيث يعمل الجهاز العصبي بأقصى طاقته، وكأن الخطر لا يتوقف أبدًا. ومع الزمن، تتحول هذه الحالة إلى إنهاك داخلي عميق، يتجلى في القلق المزمن، اضطرابات النوم، الانفصال العاطفي، ونوبات الخوف التي تهاجم الإنسان دون إنذار. هنا، لا يعود الشخص كما كان؛ بل يصبح نسخة تحاول النجاة أكثر مما تحاول أن تعيش.
في السودان، تتضاعف هذه الحالة لأنها لا تُعاش بشكل فردي، بل جماعي؛ مجتمع كامل يعيش الصدمة في آنٍ واحد، مما يُفقد الأفراد حتى القدرة على الاستناد إلى بعضهم البعض كما كان يحدث سابقًا. الأسرة، التي كانت تمثل الحصن النفسي الأول، تجد نفسها عاجزة أحيانًا عن أداء هذا الدور، ليس ضعفًا فيها، بل لأن كل فرد فيها يحمل جرحه الخاص. في كثير من البيوت، لم تعد المشكلة في الخلافات الظاهرة، بل في ذلك الصمت الثقيل، في المسافات العاطفية التي تتسع دون أن يلاحظها أحد، في غياب القدرة على التعبير أو حتى البكاء. هذا ما يمكن تسميته بالانفصال النفسي الصامت، حيث يعيش الناس معًا لكنهم غارقون في عوالم داخلية متباعدة.
أما الأطفال، فهم الوجه الأكثر هشاشة لهذه الحرب، ليس فقط لأنهم يشهدون ما لا ينبغي أن يُرى، بل لأنهم لا يملكون اللغة النفسية التي تمكنهم من فهم ما يحدث. الخوف عندهم لا يظهر دائمًا في صورة بكاء، بل قد يتحول إلى صمت مفاجئ، أو تعلق مفرط، أو حتى سلوكيات عدوانية. إنهم يحملون الحرب داخلهم بطرق لا يلاحظها الكبار، ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه التجارب إلى أنماط دائمة تؤثر في شخصياتهم ومستقبلهم النفسي.
وسط هذا المشهد المعقد، يبرز دور الأخصائي النفسي ليس كخيار إضافي، بل كضرورة وجودية لإعادة التوازن. فالتعامل مع الصدمات لا يكون بالنسيان كما يُعتقد، بل بالفهم، وإعادة المعنى، وتفريغ ما تراكم داخل النفس من انفعالات مكبوتة. الأخصائي النفسي يعمل على إعادة الإنسان إلى ذاته، لا بإلغاء ما حدث، بل بمساعدته على استيعابه دون أن يُدمّره. إنها عملية دقيقة، تُبنى على الاستماع العميق، وإعادة تنظيم التجربة، وتمكين الفرد من استعادة إحساسه بالسيطرة، ولو تدريجيًا.
غير أن التحدي في السياق السوداني لا يكمن فقط في شدة الصدمة، بل في محدودية الموارد، وصعوبة الوصول إلى خدمات الدعم النفسي. هنا، يصبح الابتكار ضرورة، ويأخذ العلاج أشكالًا متعددة، تبدأ من جلسة حوار بسيطة، وقد تمتد إلى مبادرات مجتمعية تُعيد للناس شعورهم بأنهم ليسوا وحدهم. فمجرد أن يجد الإنسان مساحة آمنة ليحكي، دون خوف من الحكم أو التقليل، هو في حد ذاته خطوة علاجية عميقة.
إن التعافي من الحرب لا يعني العودة إلى ما كنا عليه، فبعض التجارب تغيّرنا إلى الأبد، لكن التعافي الحقيقي هو أن نُعيد بناء أنفسنا بشكل أكثر وعيًا، أكثر قدرة على الفهم، وأكثر إنسانية. السودان، وهو يمر بهذه المرحلة المؤلمة، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما تهدّم من مبانٍ، بل إلى مشروع وطني لإعادة ترميم الإنسان، لإعادة الاعتبار للصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من بقاء المجتمع واستمراره.
في النهاية، قد تتوقف الحرب يومًا، لكن ما سيحدد شكل المستقبل ليس فقط نهاية المعارك، بل كيف تعاملنا مع آثارها داخلنا. فإما أن نترك الجراح مفتوحة تُعيد إنتاج الألم، أو نواجهها بوعي، لنحوّلها إلى نقطة انطلاق نحو شفاء حقيقي. لأن أخطر ما تفعله الحرب ليس أنها تكسر الإنسان، بل أنها قد تُقنعه أن هذا الكسر هو حالته الطبيعية… وهنا تبدأ المعركة الأعمق، معركة استعادة الذات.
بقلم : الخنساء اسماعيل الفكي عريس


